محمد أبو زهرة

2170

زهرة التفاسير

وإن هذا التحليل اللغوي يفيد أن معنى قوله تعالى : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ . أن هذا العقاب فيه جزاء للجريمة وكفاء لها ، وقد أشرنا إلى معنى ذلك ، ويفيد أن هذا العقاب منع من الارتكاب ، فإنه ينكل بالجانى ، لكيلا يقع في الفعل غيره ، أي لكي يكون ذلك التنكيل سببا في أن ينكل الغير عن الفعل . والآن نتكلم عن معنى السرقة التي توجب قطع اليد ، وهنا ننتقل من المعنى اللغوي للكلمة ، إلى المعنى الشرعي المستمد من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ومن المأثور عن صحابته ، ومما فهمه السلف من فقهائنا الأمجاد ، رضى الله تبارك وتعالى عنهم . لقد اتفق علماء الشريعة على أن السرقة أخذ المال على سبيل الاستخفاء ، وهذا معنى فقهى يلتقى مع المعنى اللغوي ، ولكن الفقهاء زادوا قيدا في هذا المعنى ، وهو أن يكون الأخذ من حرز مثله ، أي يكون المال محرزا مصونا محفوظا معنيا بحفظه العناية التي تليق ، وقد قال الفقهاء رضي الله عنهم : إن الأخذ على سبيل الاستخفاء هو ركن السرقة ، وكون الأخذ لمال محزر محفوظ حفظا يليق بمثله شرط لاستحقاق العقوبة المحدودة التي ذكرها الشارع الحكيم . وإذا كانت السرقة لا يتحقق ذكرها إلا إذا كان الأخذ على سبيل الاستخفاء ، فإنه لا يكون المغتصب سارقا ، ولا يكون المختلس سارقا ، وقد فرقوا بين المختلس والسارق فقالوا : إن السارق يكون مختفيا غير معلوم للمسروق منه ، أما المختلس فإنه لا يكون مختفيا ، بل يكون ظاهرا ولكن يأخذ في غفلة من صاحب المال ، والجمهور على أن الاختلاس لا يعد من السرقة فلا تقطع فيه اليد ، ولقد خالف الجمهور إياس بن معاوية القاضي ، وأوجب القطع على اعتبار أن فيه نوع استخفاء ، وإن كان في العمل ، ولم يكن في الشخص ، وأن لذلك الرأي وجاهته من ناحية العمل ، ومن ناحية المعنى .